مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

لوجه الله:

الفقراء أولى بأموال تكرار الحج والعمرة

 


لا يتوقف علماء الإسلام فى كل وقت وفى كل مكان عن حث جماهير المسلمين على الأخذ بفقه الأولويات، وتوجيه نفقات حجهم التطوعي إلى مساعدة الفقراء وأصحاب الحاجات؛ الذين ينتشرون في أرجاء عالمنا الإسلامي كافة، وتتضاعف معاناتهم المعيشية والصحية بسبب نقص الغذاء والدواء وعدم وجود المأوى الكريم لهم.                                  .
دائما يؤكد العلماء أن الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة، ويجب في العمر مرة واحدة على كل مسلم ومسلمة عندما تتوافر الاستطاعة لقوله تعالى: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين"، فالتوصيف الشرعى للحج أنه "فرض عين، وإذا ما أداه المسلم سقطت عنه الفريضة ولم يعد مطالباً بتكرارها"، ولذلك ينصح العلماء دائما أنه من الأفضل إعطاء الفرصة لمن لم يؤد الفريضة، وتقديم نفقات "حج التطوع" للفقراء وأصحاب الحاجات الذين يتكاثرون في بلادنا العربية والإسلامية، حيث يعيش ملايين المسلمين تحت خط الفقر                         
 ترشيد الحج والعمرة، بحيث يكون الحج مرة واحدة لترك الفرصة للراغبين في أداء الفريضة لأول مرة، ومنع الزحام الشديد في الأماكن المقدسة، وأداء العمرة مرة كل خمس سنوات بدلا من تكرارها كل عام كما يفعل ملايين المسلمين، وتوجيه نفقات تكرار الحج والعمرة لدعم الفقراء وأصحاب الحاجات – وما أكثرهم فى بلادنا العربية والإسلامية - دعوات تتكرر كل عام منذ سنوات.. وفى ظل ارتفاع تكاليف رحلتى الحج أو العمرة هذا العام ينبغى أن يتعامل الجميع مع هذه الدعوة بشىء من التأمل، وهناك من وجوه الخير ما يعود على الإنسان بأضعاف أضعاف حجة التطوعى أو عمرته المكررة كل عام.
****
 دعوة ترشيد الحج والعمرة ليست صدا للمسلمين عن السفر إلى بيت الله الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أنها ليست تجفيفا للمنابع الروحية للمسلم، فكل المسلمين يزدادون شوقا إلى بيت الله الحرام وإلى مسجد المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وإلى المشاعر المقدسة، ولا تمثل فرض حظر على المسلمين القادرين.. لكن شريعتنا الإسلامية توجهنا إلى ما يعرف ب"فقه الأولويات" أي إغاثة المحتاجين، فحج الفريضة يسقط عن الإنسان بمجرد أداه ولو كان فى مقتبل حياته، ولذلك يكون إطعام الفقراء وعلاجهم ومساعدتهم على حياة كريمة أولى من حج التطوع وأكثر أجرا وثوابا عند الله منه وفقا لفتاوى صدرت عن العديد من علماء الأزهر الثقات.
 ظروف مجتمعاتنا العربية والإسلامية وما فيها من فقراء وأصحاب حاجات تزداد أعدادهم سنويا، وتعجز الحكومات عن الوفاء بحاجاتهم الضرورية، هذه الظروف الصعبة التي يعيشها الفقراء تفرض علينا أن نعمل بفقه الأولويات ويقصد به وضع كل شيء في مكانه بالعدل من الأحكام، ثم يقدم الأولى فالأولى، بناء على معايير شرعية صحيحة يهدي إليها نور الوحي ونور العقل، فلا يقدم غير المهم على المهم، ولا المهم على الأهم، ولا المفضول على الفاضل، بل يقدم ما حقه التقديم، ويؤخر ما حقه التأخير، بوضع كل شيء مكانه، وهذا المبدأ رسخه القرآن الكريم في قول الله تعالى: "أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاج وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمن بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ"، فالآية الكريمة تفيد بأن هناك تفاوتا واضحا معترفا به بين أفعال الطاعات .. وصحابة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  كانوا حريصين كل الحرص على أن يرتبوا الأولى من الأعمال يتقربون بها إلى الله عز وجل، ولهذا كثرت أسئلتهم عن أحب الأعمال وأفضلها
****
يجب أن نعترف بأن ميزان الأولويات في حياة المسلمين مختل كل الاختلال، فنحن ننفق على الترفيه أضعاف ما ننفقه على الأعمال الخيرية، كما أن بعض القادرين يوجهون أموالهم لبناء المساجد في أماكن مكتظة بالمساجد ويتركون أبناء فقراء المسلمين بلا مأوى أو بلا دراسة أو مستشفى يعالجون بها أو مدرسة يتعلمون فيه.
 وفي مسألة الحج والعمرة يسافر سنوياً ملايين المسلمين القادرين لتكرار الحج والعمرة وينفقون مئات الملايين على رحلاتهم هذه ويهملون الفقراء الذين لا يجدون الطعام والشراب والدواء والمأوى، وقد تنبأ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بما سيحدث في زماننا عندما قال: "في آخر الزمان يكثر الحج بلا سبب، يهون عليهم السفر، ويبسط لهم في الرزق، وربما يرجعون محرومين مسلوبين، وجار لهم مأسور يحتاج المواساة" .
****
منذ أيام تواصل معى صديق وهو حزين على عدم حصوله على تأشيرة حج هذا العام.. فسألته: ألم تسافر للحج العالم الماضى؟
رد بسرعة: لا كان العام قبل الماضى 
سألته: كم كنت ستنفق على رحلة الحج هذا العام؟
قال: داخله فى نصف مليون جنيه.
قلت له وأنا مطمن: إنفق منهم 100 الف فقط على إطعام الفقراء وسوف يكافأك الله بما هو أفضل من أجر تكرار الحج هذا العام.  
طبعا أقدر العاطفة الدينية لهذا الصديق العزيز ولا أشكك فى رغبته الشديدة فى جنى المزيد من الأجر والثواب من خلال سفره لتكرار الحج.. لكن ينبغى أن يدرك الجميع أن الفقراء وأصحاب الحاجات أولى بما ينفق على تكرار الحج والعمرة، وهذا ليس رأى أو اجتهاد شخصى.. بل هناك العديد من الفتاوى الموثقة التى صدرت عن علماء نثق جميعا فى علمهم وفى رجاحة عقولهم.
لا ينبغى أن تتحول عبادة الحج التي فرضها الله سبحانه وتعالى على القادر مرة واحدة في العمر الى رحلة سنوية لبعض القادرين كوسيلة للوجاهة والتميز الاجتماعي.. وعلينا أن ندرك أن إنفاق الأموال التي تستهلك في تكرار الحج والعمرة كل عام لدعم الفقراء يدرأ فسادا كبيرا عن البلاد والعباد ، ويجب أن يكون عند المسلمين وعي في ترتيب أولويات إنفاقهم، لأن الأمم التي سبقتنا وحلت مشكلات فقرائها قامت بمراعاة تلك الأولويات، حيث وجهوا الأموال نحو مصارفها الصحيحة، واكتفاء الناس في الدنيا أحب إلى الله من وفود بعض القادرين إلى حرمه الشريف، بينما إخوانهم في البلاد التي أتوا منها يتضورون جوعا.